أبي حيان التوحيدي
114
المقابسات
وعلى اية عسرة وفاقة ، لعرفت من عذرى أضعاف ما أبديته ، واحتججت لي بأكثر مما نشرته وطويته . وإذا أنعمت النظر تيقنت أن للّه جل وعز في خلقه أحكاما لا يعاذ عليها ، ولا يغالب فيها . لأنه لا يبلغ كنهها ، ولا ينال غيبها ، ولا يعرف قلبها ، ولا يقرع بابها . وهو تعالى أملك لنواصينا ، وأطلع على أدانينا وأقاصينا ، له الخلق والأمر ، وبيده الكسر والجبر ، وعلينا الصمت والصبر ، إلى أن يوارينا اللحد والقبر ، والسلام إن سرك ، جعلني اللّه فداك ، أن تواصلنى بخبرك ، وتعرفني مقر خطابي هذا من نفسك ، فافعل ؟ لأنى لا أدع جوابك إلى أن يقضى اللّه تعالى تلاقيا يسر النفس ، ويذكر حديثا بالأمس ، أو بفراق نصير به إلى الرمس ، ونفقد معه رؤية الشمس . والسلام عليك خاصا ، بحق الصفاء الذي بيني وبينك ، وعلى جميع إخوانك عاما ، بحق الوفاء الذي يجب على وعليك . والسلام » وكتب هذا الكتاب في شهر رمضان سنة 400 * * * قلت : هذا ما رأيت إثباته هاهنا من آثار أبى حيان ومروياته ورسائله ، مما عثرت عليه بعد الجهد الجهيد ، في بطون الكتب وطوايا الاسفار ، ومما لا علم لأكثر المطلعين به . وقد حرصت أن يكون مادة سهلة التناوى تكشف عن حقيقة أبى حيان الذي غمرته القرون ، وطغت عليه الاغراض ، وسترته المطامع والنزوات . وفي النية وضع رسالة في شأنه على الطريقة التي تروق أدباء العصر ، أتناول فيها خفايا نفس أبى حيان ومستكنات ضميره ، وخوالج صدره ، وأعرضه فيها عرضا يتناسب مع منزلته في الأدب ، ومقامه في المعقول والمنقول في علوم العرب . واللّه أسأل توفيقا إلى خير العمل ، وعصمته من شرة الزلل القاهرة في غرة المحرم سنة 1348 القاهرة « 8 يونيه « 1929 حسن السندوبى